أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

121

التوحيد

وإذا احتمل الواحد الأمرين احتمل الخير والشر فيبطل الثاني ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن اللازم إذ جعلوهما متضادين في الطبيعة أن يجعلوا أحدهما شأنه الامتزاج والآخر البينونة ، وقد غلب أحدهما أن يكون على ذلك . ثم من قولهم إنهما إذا تفرقا لا يمتزجان من بعد ، فما أدراهم ؟ ووجدنا باليقين لم يؤنس الاجتماع ، فكيف وجود تفرّق بجهد ؟ وما يدريهم أنهم أبدا على تفرّق واجتماع ؟ ، وكذلك في الأزل ، فيبطل القول بالنور والظلمة . وبعد ، فإن حكمهم هذا عجيب ؛ لأنهم لا يخبرون عن أحوال كانت ، ويكون ما عندهم من جوهر هذين ، ولم يكن لهما علم من قبل بالامتزاج ، ولا علم بكيفية الفراق ، واللّه الموفق . ثم يطالب على كل فصل مما قالوا من قطع النهاية ، وما قالوا من ابتداء العالم دون أن يكون عالم على أثر عالم بلا نهاية ، وكذلك يكون بالدليل ، وكذلك الامتزاج والانفصال ؛ ليعلموا تعنتهم ، ويقال : لم يعاينوا شيئا ممتزج من خير وشر ، ولم يرد لكم خبر يحتمل الصدق ، فإن قال : علمنا بالأدلة أن شأن الأشياء التفرق ، وكل شيء يرجع إلى أصل جوهره . قال الشيخ رحمه اللّه : يقال : بل شأنهم الاجتماع ، فمنتهى كل على أصل جوهره ، وإذا كان وقع هذا قد اجتمع ، فاجعل ذلك أبدا كذلك . ويقال : إذ التفرق تبدّد ، والاجتماع تأكّد وقوعه لم لا كان شأنهم الاجتماع ، ولا قوة إلّا باللّه . ولو جاز تثبيت ما لا شاهد له في الشاهد ، مع كونه من جوهره ، لجاز القول بفعل الحواس على المعروف ، أو الدّرك بأضداد ما به الدّرك . وعورضوا بقولهم : لا يكون من النور غير الخير ولا من الظلمة غير الشر ، فإذا قتل رجل ثم أقرّ ، فإن كان المقرّ هو الذي قتل ، وهو صدق ، فقد عمل به الخير بعد الشر ، وإن كان المقرّ هو الذي لم يقتل ، فهو كذب ، وهو شر ، قد كان منه الخير ، وهو ترك القتل . وكذلك من قولهم : إن كل حاسة لا تدرك ما تدركه الأخرى ، ثم فيما سمع قال : سمعت ، أو فيما رأى قال : رأيت ، وما قال به رأيت وسمعت غير الذي به سمع ورأى ، وذلك جواب بما لم يدرك . وسئل عن سواد الظلمة إذا زيد على سواد النور ، وهل زاد في السواد شيئا ؟ فإن قالوا : لا ، صيّروا ما كثر هو الذي لم يكثر ، فإن قالوا : ازداد ، قيل : أهو النور أو الظلمة أو غيرهما ؟ فإن قال بالأولين فازداد النور أو الظلمة ، وذلك بعيد ؛ إذ يزداد كل واحد منهما بالجوهر الآخر ، وإن قال : غيرهما ، أثبت للآمرين غيرا . ثم ما يدريهم أن ليس في النور أو الظلمة زيادة على تلك الأجناس الخمسة ، وهم لا يعلمون بجميع أجزاء الجنسين بما لا نهاية لكل واحد ، فإن ادّعى الاستدلال بالشاهد على الغائب